جيرار جهامي

مقدمة 16

موسوعة مصطلحات ابن سينا ( الشيخ الرئيس )

العندية التي تقوم على الاستبطان استعراضا للمخزون من الدواخل . أو لا نجد في هذا النمط من التعاطي مع إدراك النفس منحى تحرريّا لها من قيود الغيبيات ؟ فالشك يطول ربما كل معلوم ، لكنه لا يرقى إلى وجود ذواتنا المتجسّدة بهذه الأنا العارفة . وإذا كان الاستدلال بالفعل على الفاعل لا يؤدّي إلى معرفة ذات الفاعل على ما هي عليه ، فإن في حدس الذات ، كما جاء عند ديكارت ، توثيقا للعلاقة الطبيعية بين المدرك والمدرك . إنه لزوم الابتداء على حدّ تعبير الباقلاني ( في كتاب التمهيد ، طبعة مكارثي ، ص 10 ) ، « فالابتداء ضرورة تخترع من النفس ابتداء من غير أن تكون موجودة ببعض الحواس كعلم الإنسان بوجود نفسه وما يجده فيها من الصحة والسقم واللذّة والألم والغمّ والفرح والقدرة والعجز والإرادة والكراهية والإدراك والغيّ ، وغير ذلك مما يدركه الحي إذ أوجد به » . هذا علم ضروري وأساسي ، إذ لا فكر أو تفكير ثابت بمنأى عن وجود الذات المفكّرة والنفس الواعية ؛ هذه الذات التي أمست عند ابن سينا مركز الدفع لكل معرفة مستقبلية كونها أولى المسلّمات المعرفية وأفضلها وجودا . يقول في هذا الصدد في الإشارات والتنبيهات : « إن فعلك إن أثبته فعلا مطلقا ، فيجب أن تثبت به فاعلا مطلقا لا خاصّا ، هو ذاتك بعينها . وإن أثبته فعلا لك ، فلم تثبت به ذاتك ، بل ذاتك جزء من مفهوم فعلك من حيث هو فعلك . فهو مثبت في الفهم قبله ، ولا أقلّ من أن يكون معه لا به ، فذاتك مثبتة لا به » . هكذا ينقلب وعي الذات إلى تلك الأرضية الصلبة التي تنطلق منها النفس في تلمّسها بواطن الأمور ، وفي سلوكها طريق الحق . فعوض أن تغرق في عالم الماديات وتتوه ، تحاول أن تحيي هذا العالم فيها ولكن على طريقتها . يتمّ ذلك وفقا لمعطيات طبيعتها الأصلية المنزّهة عن الشوائب الحسّية . لكن هذا لا يعني أن ابن سينا أنكر دور الحسّيات والمجرّبات التي تبقى محك كل حقيقة مهما تنوّعت مصادرها ، وهو الطبيب الذي كان يعاين واقع الجسد بموازاة حال النفس . إن تركيز الوعي هذا على بواطن الذات العارفة يفجّره إدراكا وتعقّلا أعمق لحقائق الأمور ، ومعرفة أوثق للنفس بالتبيان ؛ مما يجرّ اتزانا وتوازنا في